محمد جواد مغنية

51

علم أصول الفقه في ثوبه الجديد

وملخصها أن السنّة قالوا في كتب علم الكلام وأصول الفقه : لا تلازم إطلاقا بين الإرادة والطلب المدلول عليه بالأمر والنهي ، وان اللّه سبحانه كثيرا ما يأمر عبده بما يكرهه منه ولا يريده ، وينهاه عما يحبه منه ويريده . واستدلوا على ذلك بأن كل ما وقع ويقع في الوجود من خير وشر فهو مراد للّه ، وكل ما لم ولن يقع فهو غير مراد له خيرا كان أم شرا ، لأنه تعالى ما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن . والثابت بالقطع والاتفاق أن اللّه طلب الإيمان من الكافر الذي عصى وأصر على الكفر ، ولو كانت الإرادة عين الطلب أو لا تنفصل عنه بحال لكان اللّه مريدا للإيمان الذي طلبه من العاصي ، وهذا محال لأن معناه ان اللّه أراد شيئا من عبده ولكن العبد غلب الخالق على ما أراد . . مضافا إلى أن اللّه سبحانه يعلم مقدما أن العاصي المتمرد لن يؤمن بحال ومع ذلك طلب منه الإيمان وأمره به ، وبديهي أن الحكيم يستحيل في حقه أن يريد شيئا وهو يعلم سلفا بأنه ممتنع الوجود ومستحيل الوقوع . وإذا بطل هذا تعين أنه لا تلازم بين الطلب والإرادة . وأنه تعالى يطلب الإيمان من المتمرد ولا يريده بدليل عدم تحققه ، وانه سبحانه ينهاه عن الكفر وهو يريده منه بدليل تحققه . ( انظر من كتب الأصول للسنّة كتاب جمع الجوامع وشرحه مبحث الأمر ، ومن كتب علم الكلام الجزء الثامن من المواقف وشرحه المقصد الرابع في أن اللّه مريد لجميع الكائنات ، غير مريد لما لا يكون ) . وقال الشيعة والمعتزلة : ان الإرادة لا تنفصل عن الطلب بحال ، والدليل على ذلك واضح وبسيط ، وهو أن الناس ، كل الناس ، يفهمون بالفطرة أن العاقل إذا أراد شيئا من غيره طلبه منه وأمره به ، وإذا كره شيئا منه نهاه عنه وحذره منه . ويستحيل في حقه تعالى أن يطلب الايمان من المعاند ولا يريده ، وينهاه عن الكفر ويريده ، يستحيل ذلك لأمرين : 1 - ان من طلب شيئا لا يريده ، أو نهى عن شيء يريده فهو أحمق وسفيه في نظر العقلاء . تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا . وإذا استحال في حق الحكيم أن يريد ما يعلم مقدما انه محال وممتنع - كما يقول السنّة - فأيضا يستحيل في حقه أن يطلبه ويأمر به .